العقيدة
5 المواضيع
«العقائد» جمع «عقيدة» المشتقّة من مادة «عقد». والعقيدة في اللغة: ما يُعقد عليه القلب ويُؤمَن به إيمانًا وثيقًا كأنه عُقد بعقدة. وفي الاصطلاح الشرعي: العقيدة «الأصل الذي يجب اعتقاده» (أصل الإيمان، المؤمَن به)، وجمعها «العقائد» أي «المسائل التي يجب اعتقادها في دين الإسلام، وأصول الإيمان، وقواعد الدين وأحكامه الأساسية». وعليه فالعلم الذي يبحث في أصول الإيمان التي تقوم عليها قواعد الدين وأحكامه يُسمَّى علم العقيدة.
المصدر الأول والأهم للعقيدة الإسلامية هو القرآن الكريم، ثم الأحاديث الصحيحة. وقد وردت أصول العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم والأحاديث واضحةً بيّنةً بسيطة لا تحتمل تأويلًا. ففي القرآن آياتٌ كثيرة تتناول الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر، وتفصّل ذلك أحيانًا. وفي كتب الحديث أبوابٌ كـ«الإيمان والأنبياء والتوحيد والجنة والنار والقدر والقيامة» فيها بياناتٌ شتّى في أصول الإيمان. ولذلك كانت آيات القرآن والأحاديث الصحيحة — وفي مقدمتها المتواترة — المصادرَ الأساسية للعقيدة. وأما معطيات الحواسّ والعقل فهي وإن كانت من مصادر علم العقيدة إلا أنها ليست مصدرًا مباشرًا في تقرير أصول الدين وأصول الإيمان؛ بل هي مادةٌ لبيان ما قرّرته الآيات والأحاديث وتأويله وإثباته، فتُسند النقل وتؤيّده. فالمصدر الوحيد في تقرير أصول الإيمان هو الوحي. وأصول العقيدة الإسلامية قائمةٌ على دليلٍ قاطع، وهي في الوقت نفسه بيّنةٌ واضحة. لا تتبدّل بتبدّل الزمان والمكان ولا الأفراد ولا المجتمعات. وهذه الأحكام كلٌّ لا يتجزأ، فلا يصحّ الإيمان ببعضها دون بعض.
علم العقيدة علمٌ يبحث في أحكام الدين الإسلامي المتعلقة بالاعتقاد. ففيه تُتناول مسائل وجود الله ووحدانيته وصفاته وأفعاله، ثم الإيمان بالملائكة، ثم الأنبياء الذين أرسلهم الله والكتب السماوية التي أُنزلت على البشرية على أيديهم. وأخيرًا يكون الإيمان بالآخرة وأحوالها وبالقضاء والقدر من أهم مسائل هذا العلم. فعلم العقيدة إذًا من العلوم الإسلامية الأساسية التي تشرح أصول الاعتقاد في الدين الإسلامي وما يتصل بها من مسائل.
غاية علم العقيدة أن يعلّم المسلمين أصولَ الاعتقاد في الدين الإسلامي وحقائقها، فيعيشوا في الدنيا حياةً مطمئنة وينالوا في الآخرة السعادة الأبدية. ويؤدّي علم العقيدة في تحقيق هذه الغاية الوظائف الآتية: 1- إثبات أصول الإيمان وبيانها وتأويلها. 2- بيان سبل الارتقاء من الإيمان التقليدي إلى درجة الإيمان التحقيقي. 3- إرشاد طالبي العقيدة الصحيحة والحقيقة. 4- دحض آراء أهل الأهواء والمنحرفين والردّ على ما يُثار من اعتراضاتٍ على الإسلام. 5- تمكين معنى «لا إله إلا الله» في القلوب، فيعين المؤمنين على الإخلاص والعمل المقبول.
يعتمد علم العقيدة في تعليم الناس أصول الاعتقاد وترسيخها آياتِ القرآن والأحاديثَ، ويستعين كذلك بمعطيات العلوم التجريبية والعقل. فهو يفيد من العلم والعقل في بيان أصول الإيمان. ومن هنا يصحّ القول إن في العقيدة أدلةً نقلية وأدلةً عقلية. وفي علم العقيدة — كما في القرآن والسنة — تُعدّ إقناعُ المخاطَب وإرشادُه، وتبشيرُه وإدخالُ الرجاء والسرور عليه، من المبادئ الأساسية.
لعلم العقيدة مكانةٌ عظيمة بين سائر العلوم الإسلامية، حتى قيل إنه أهمّها وأرفعها منزلة. إذ ما لم يُقَرّ بوجود خالقٍ قديرٍ على كل شيء أرسل إلى الناس الرسلَ وأنزل الكتب، لم يكن للكلام في التفسير والحديث والفقه والأخلاق والتصوف معنًى. ولو شُبِّهت العلوم الإسلامية ببناء، لكان علم العقيدة الباحثُ في أصول الاعتقاد أساسَ هذا البناء، وكانت سائر العلوم طوابقَه وأقسامَه. وكما لا يُتصوَّر بناءٌ بلا أساس، لا تُتصوَّر سائر العلوم الإسلامية بلا علم العقيدة. إذ لا يمكن — من غير الإيمان بأصول العقيدة — الحديثُ عن عبادات الدين كالصلاة والصوم والزكاة والحج، ولا عن الأحكام الفقهية الشاملة للجهاد والتجارة والزراعة وشؤون الحياة اليومية، ولا عن حسن الخلق ودقائق التصوف وآدابه.
المصدر الأول والأهم للعقيدة الإسلامية هو القرآن الكريم، ثم الأحاديث الصحيحة. وقد وردت أصول العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم والأحاديث واضحةً بيّنة. ففي القرآن آياتٌ كريمة كثيرة تخبر عن الله ورسله وكتبه وملائكته والآخرة والقضاء والقدر. وكذلك في كتب الحديث أبوابٌ كالإيمان والأنبياء والتوحيد والجنة والنار والقدر والقيامة، فيها تفاصيلُ كثيرة في أصول الإيمان. والعقلُ — وهو الأداة الأولى للفلسفة والعلوم التجريبية — ومعطياتُ الحواسّ من المصادر التي يفيد منها علم العقيدة كذلك. غير أن معطيات العقل والحواسّ ليست مصدرًا مباشرًا ولا حاكمًا في تقرير أصول الدين وأصول الإيمان؛ فالمصدر الوحيد في تقريرها هو الوحي، أي آيات القرآن والأحاديث المتواترة. وإنما معطيات العقل والحواسّ مادةٌ لبيان ما قرّرته الآيات والأحاديث وتأويله وإثباته. وعلم العقيدة أوّلُ ما ينبغي للمسلمين تعلّمه؛ إذ إن قيام المسلم بحقّ العبودية لله موقوفٌ على أن يتعلّم على أصحّ وجهٍ وأحسنِه أصولَ الإيمان التي توجّه اعتقاده وعبادته وأخلاقه.
كلمة «الإيمان» في اللغة: «تصديق القائل فيما قال وقبول قوله، والاطمئنان إليه، وإعطاء الأمان لمن أمامك، والسلامة، والإيقان القلبي الذي لا يخالطه شكّ». وفي الاصطلاح: «التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى مما عُلم بالضرورة، وقبول ما أخبر به من غير تردّد، والإيمان القلبي بأنه حقٌّ وصدق». والأمور المعلومة بالضرورة مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله هي الأحكام الثابتة بالقرآن والأحاديث المتواترة. ولمّا كانت قطعية في ديننا كان إنكارها مُخرِجًا من الإيمان. ولوجوب اعتقادها شرعًا تُسمَّى «ضروريات الدين». الحديث المتواتر: هو ما رواه بلفظه جمعٌ يستحيل تواطؤهم على الكذب.
الإيمان هو أن يقبل المرء بمحض إرادته ورغبته ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما بلغنا بالتواتر، وأن يؤمن به من قلبه. فالإيمان إذًا أمرٌ قلبيّ. وليس شيئًا يُلمس باليد أو يُرى بالعين. وكلُّ مؤمنٍ يعلم بمَ آمن، ولكن ليس كلُّ عالمٍ مؤمنًا. فلكي يُسمَّى العلم بأصول الاعتقاد إيمانًا لا بدّ من انقياد القلب وتصديقه باختيار صاحبه. وقد أخبرنا القرآن أن اليهود والنصارى كانوا يعلمون يقينًا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيٌّ حقّ، غير أنهم لم يقبلوا نبوّته ولم يصدّقوا بها حسدًا.[1] وهذا يدلّنا على أن الإيمان عملٌ يقتضي وعيًا وإرادةً أبعد من مجرد العلم. وثمّة آياتٌ وأحاديث تدلّ على أن الإيمان تصديق القلب. قال الله تعالى في المنافقين: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا»[2]، فبيّن أن الإيمان تصديق القلب. وقال سبحانه في الذين يدخلون الجنة خالدين ويرضى عنهم: «أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»[3] وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يداوم عليه دليلٌ على مكانة القلب في الإيمان: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَىٰ دِينِكَ وَطَاعَتِكَ.»[4] فأصل الإيمان — كما ترى — تصديقُ القلب بما يجب الإيمان به. فمن قال بلسانه إنه آمن ولم يصدّق بقلبه لم يكن مؤمنًا. وفي المقابل فمن صدّق بقلبه وآمن ولم ينطق بلسانه فهو مؤمنٌ في الآخرة. وكذلك من صدّق بقلبه وعجز عن النطق لعذرٍ كالخرس فهو مؤمن. ومن قال إنه كافرٌ غير مؤمن وهو تحت تهديد القتل فهو مؤمنٌ أيضًا. وهذه القصة مثالٌ حسن لذلك: كان عمّار رضي الله عنه من المسلمين الذين صبروا على ظلم المشركين وأذاهم بإيمانٍ راسخ. فأخذه مشركو قريش يومًا وغطّسوا رأسه في البئر حتى يمنعوه النَّفَس، وعذّبوه وقالوا: «— لن نتركك حتى تسبّ محمدًا وتمدح اللات والعزّى!» وواصلوا تعذيبه حتى قال إنه يؤمن باللات والعزّى. فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «— يا رسول الله، كفر عمّار!» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «— كلا! إن عمّارًا مُلئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه، وخالط الإيمانُ لحمَه ودمَه!» وجاء عمّار رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي... فجعل سيد العالمين يمسح دموعه بيده ويقول: «— ما لك؟» فقال عمّار رضي الله عنه: «— يا رسول الله، ما تركوني حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير!» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «— كيف تجد قلبك؟» قال عمّار: «— مطمئنٌّ بالإيمان بالله ورسوله، وتمسّكي بديني أشدّ من الحديد!» فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح دموعه بيده ويقول: «— يا عمّار، إن عادوا فعُد!» فنزلت في ذلك الآية الكريمة: «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.»[5]
الإقرار هو النطق باللسان بما في القلب من اعتقادٍ وإظهارُه. ولمّا كان الناس لا يعلمون ما في القلوب، لزم أن يُنطق بالاعتقاد ويُظهر باللسان، وأن يُبنى الحكم على الإيمان بهذا القول والإقرار. وإلا لم يُعلم أيُعامَل المرء في حياته وبعد موته معاملةَ مؤمنٍ أم كافر. ولذلك كان الإقرار شرطًا لازمًا للإيمان لا جزءًا منه. ولا يعلم ما في القلوب إلا الله. وإنما نعلم إيمان أحدٍ بإقراره هو، أو بأدائه العبادات الظاهرة الدالّة على إيمانه كصلاته في الجماعة. وعندئذٍ يُعرف بأنه مؤمنٌ ويُعامَل معاملة المسلمين. فلا يتزوج المرء مسلمةً إلا إذا كان مؤمنًا، ويُؤكل ما ذبح، ويُلزَم بالحقوق الشرعية كالزكاة والعُشر. وإذا مات صُلّي عليه ودُفن في مقابر المسلمين. ومن لم يُقرّ باعتقاده بلسانه لم تُجرَ عليه هذه الأحكام الخاصة بالمسلمين. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الإقرار في الإيمان بقوله: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ وَقَالَ: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.»[6] ولعظم شأن الإقرار باللسان عُرِّف الإيمان في الغالب بأنه «تصديقٌ بالقلب وإقرارٌ باللسان». غير أن هذا التعريف لا يقتضي أن يكون مؤمنًا من قال «آمنتُ» وهو غير مصدّقٍ بقلبه. وقد قال الله تعالى في ذلك: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.»[7] ومن قال بلسانه إنه آمن ولم يؤمن بقلبه، جاز أن يُعامَل في الدنيا معاملةَ المسلمين لأنه لا يُعلم ما في قلبه من إيمانٍ أو إنكار. غير أنه في الآخرة منافقٌ أي كافر، فمصيره النار خالدًا فيها. ويُعلم مما تقدّم أن تصديق القلب هو أصل الإيمان وركنه الذي لا يقوم إلا به وأساسه الثابت؛ وأما إقرار اللسان فشرطٌ يُعرَف به هذا الأصل.
الغيب هو ما لا يُرى ولا يُدرَك حسًّا مما خفي علمه على الإنسان. والموجودات قسمان: ما يُرى بالعين ويُدرَك بالحواسّ ويُسمَّى «عالم الشهادة»، وما لا يُرى ولا يُدرَك بالحواسّ ويُسمَّى «عالم الغيب». غير أن هذا في حق الإنسان المحدود العقل والحواسّ؛ فليس عند الله شيءٌ غيب، لأنه يرى كل شيءٍ ويعلم كل شيء. وموجودات عالم الغيب قسمان: 1. ما لا يعلم وجودَه إلا الله ولا دليل عليه ولا أمارة: كعلم الله وقضائه وقدره. وهذا هو المراد بقوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.»[8] 2. ما لا يُدرَك بالحسّ ولكن يُعلم بالدليل: كوجود الله تعالى وصفاته والملائكة والجنة والنار. وهذا هو المراد بقوله تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»[9]. أي إن المؤمنين يؤمنون بالله وملائكته والآخرة والجنة والنار وإن لم يروها، بالأدلة النقلية والعقلية. ومما يضيء لنا باب الإيمان بالغيب حديثٌ مشهور يُسمَّى «حديث جبريل»، رواه عمر رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوسٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منّا أحد. فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفّيه على فخذيه، ثم قال: — يا محمد، أخبرني عن الإسلام! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا.» قال: — صدقتَ. فعجبنا له يسأله ويصدّقه. ثم قال: — أخبرني عن الإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه من الله.» قال: — صدقتَ. ثم قال: — أخبرني عن الإحسان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.» قال: — أخبرني عن الساعة متى تقوم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.» قال: — فأخبرني عن أماراتها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تلد الأَمَةُ ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.» ثم انطلق الرجل، فلبثتُ مليًّا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم.»[10] والإيمان بالغيب — أي الإيمان بالشيء من غير رؤية — هو الإيمان الحق. وقبولُ الصحابة الكرام ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الغيب من غير تردّدٍ إنما كان لقوة إيمانهم. فلمّا سمع المشركون بحادثة الإسراء بادروا إلى التكذيب، وشاع الخبر. فاغتنموا ذلك ليشكّكوا المؤمنين ويردّوهم عن إيمانهم، حتى جاؤوا أبا بكر رضي الله عنه. فقال بصدق إيمانه وثقته التامة بالنبي صلى الله عليه وسلم: «— إن كان قال ذلك فقد صدق! فإنه لا يمكن أن يكذب! وإني لأصدّقه في كل ما يأتي به…» فقالوا: «— أفتصدّقه أنه ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة؟» فقال أبو بكر رضي الله عنه: «— نعم! وما في ذلك من عجب؟ والله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ فأصدّقه.» ثم ذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الكعبة، فسمع الخبر من فمه الشريف وقال: «— صدقتَ في كل ما قلت يا رسول الله!» فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورًا بتصديقه وقال: «— يا أبا بكر، أنت الصدّيق!»[11]
1. الإيمان الإجمالي هو الإيمان بما يجب الإيمان به جملةً. وهو أوجز صور الإيمان وأقصرها، وقد لُخِّص في كلمة التوحيد وكلمة الشهادة. كلمة التوحيد: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ومعناها: «لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمدٌ رسوله.» كلمة الشهادة: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ومعناها: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.» وهذه أول درجات الإيمان وأساس الدين. فمن أفرد الله بالألوهية حقًّا وقبِل محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا له، فقد قبِل جملةً سائرَ أصول الإيمان وكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ إن سائر أصول الاعتقاد إنما بلغتنا عن طريقه صلى الله عليه وسلم، وبلغنا وجوب الإيمان بها عن طريقه. فتصديقُ رسول الله إذًا تصديقٌ قلبيّ له في كل ما أخبر به. ويُسمَّى إيمان من قال كلمة التوحيد وكلمة الشهادة مصدّقًا «الإيمان الإجمالي»، لأنه لم يذكر كل ما يجب الإيمان به على التفصيل. ومع أن الإيمان الإجمالي كافٍ ليكون المرء مؤمنًا، فينبغي له أن يتعلّم سائر أحكام الدين وكلَّ أصلٍ من أصول الإيمان أصلًا أصلًا ويؤمن بها. 2. الإيمان التفصيلي هو الإيمان بكل ما يجب الإيمان به على وجه البيان والتفصيل. وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الإيمان الجازم بالله، وبأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، وباليوم الآخر. وهذا أوضح وأوسع من الإيمان الإجمالي، إذ دخل فيه الإيمان بالآخرة. وقد قُرن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في بعض الآيات: «وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.»[12] الدرجة الثانية: الإيمان تفصيلًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت ووجود الجنة والنار والثواب والعقاب والقضاء والقدر. وقد اجتمع كثيرٌ من ذلك في قوله تعالى: «وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.»[13] الدرجة الثالثة: التصديق بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله ونقله إلينا جمعٌ يستحيل عقلًا تواطؤهم على الكذب (أي بالتواتر) من الأخبار والأحكام. أي الإيمان تفصيلًا بكل ما ثبت بالآيات المحكمة والأحاديث المتواترة، على الوجه الذي أخبر به الله ورسوله. فمن تعلّم الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر الفرائض، والحلالَ والحرام، وصدّق بقلبه بأنها فرضٌ وحلالٌ وحرام، فذلك الدرجة الثالثة من الإيمان التفصيلي. وغيرُ المسلم يدخل باب الإسلام بالإيمان الإجمالي، أي يصير مسلمًا بعد أن لم يكن. وأما بالإيمان التفصيلي فيكمل إيمان المسلم ويقوم على أسسٍ متينة. فعلى المؤمن بعد أن يصدّق بقلبه بالله وبما جاء منه أن يقبل ويصدّق بما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم من الفرائض فرضًا، والحرام حرامًا، والحلال حلالًا. وخلاصةُ ذلك أن الدرجة الثالثة من الإيمان التفصيلي تتضمن الإيمانَ بكل ما يجب اعتقاده من العقائد والعبادات والأحكام على ما هي عليه.
الإيمان التقليدي هو أن يؤمن المرء من غير استنادٍ إلى الأدلة، بالنظر إلى أبويه أو من حوله من الناس والتعلّم منهم. وهو إيمانٌ ينشأ في الغالب نتيجةً طبيعية لولادة المرء ونشأته في مجتمعٍ مسلم. وهذا الإيمان صحيحٌ عند جمهور علماء الإسلام، غير أن صاحبه مسؤولٌ لأنه لم يقوِّ إيمانه بالأدلة العقلية والشرعية؛ إذ إن الإيمان التقليدي قد يتزعزع بما يورده المنكرون وأهل الأهواء من الاعتراضات. وأما الإيمان التحقيقي فهو الإيمان القائم على الأدلة والعلم والبحث والفهم، وهو أوعى من الإيمان التقليدي. فيستطيع صاحبه بما حصّله من الأدلة أن يردّ ما يُثار من الشبهات والأفكار المنحرفة، فيقوى بذلك ثباتُ إيمانه. ولذلك ينبغي تقويةُ الإيمان بالأدلة العقلية والشرعية للارتقاء به من درجة «التقليد» إلى درجة «التحقيق». والأصل أن يكون كلُّ مسلمٍ صاحبَ إيمانٍ تحقيقي، واعيًا بمَ يؤمن ولمَ وكيف.
العمل هو ما يصدر بالإرادة من الأفعال والتصرفات التي لها قيمةُ ثوابٍ أو إثم. فالصلاة والصوم وبرّ الوالدين وإعانة المحتاج وقراءة القرآن أمثلةٌ على الأعمال الصالحة. والإيمان والعمل وإن كانا شيئين متغايرين فبينهما صلةٌ وثيقة. أهل السنة: هم الذين يتّبعون قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفعله بالأدلة القاطعة الثابتة، ويسلكون مذهب الصحابة ومن تبعهم وطريقهم. أولًا: العمل ليس جزءًا من الإيمان العمل عند علماء أهل السنة ليس جزءًا من الإيمان ولا ركنًا فيه. ولذلك فمن اعتقد بقلبه جميع أصول الدين ثم لم يأتِ بمقتضاها لأسبابٍ شتّى أو ارتكب المحرمات، فهو مؤمنٌ عاصٍ ما لم يستحلّ ما ارتكبه. ومن الأدلة على أن العمل ليس جزءًا من الإيمان: 1. في القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تبدأ بقوله: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»[14]. فقد ذُكر المؤمنون والعاملون الصالحات على وجه العطف. ولو كان العمل جزءًا من الإيمان لما احتيج بعد قوله «الذين آمنوا» إلى قوله «وعملوا الصالحات». 2. جُعل الإيمان في بعض الآيات شرطًا لصحة العمل، كقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا.»[15] فالإيمان هنا شرطٌ للعمل. ولو كان الإيمان والعمل شيئًا واحدًا أو كان العمل جزءًا من الإيمان لما ذُكرا على وجه العطف. 3. ذُكر في بعض الآيات اجتماعُ الكبيرة مع الإيمان، ومنها: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا»[16]، فسُمِّي مرتكبو القتل — وهو من الكبائر — مؤمنين. 4. عدَّ كبارُ علماء الدين منذ عصر السعادة من كان في قلبه الإيمان ونطق به لسانُه ولم يعمل الصالحات أو ارتكب بعض المحظورات — ما لم يدّعِ أن ما فعله حلالٌ مشروع — مؤمنًا عاصيًا، ولم يمنعوا معاملتَه معاملةَ سائر المسلمين. ثانيًا: لزوم العمل وصلته بالإيمان الإيمان والعمل وإن تغايرا مفهومًا ومجالًا فهما متلازمان كاللحم والظفر. وتركُ بعض العبادات والأخلاق لأسبابٍ شتّى لا يُخرج المؤمنَ من الدين، غير أن العبادات والأعمال الصالحة لازمةٌ لبلوغ الإيمان الكامل والارتقاء به إلى الدرجات العلا ونيلِ ما وعد الله به من النعم. والإيمان الذي يبقى خفيًّا في القلب فلا ينعكس على الحياة ولا يُثمر عملًا صالحًا كشجرةٍ بلا ثمر. والأعمال الصالحة وحسن الخلق يقوّيان الإيمان ويُسعدان المؤمن في الدارين. فمن أقرّ بفرضية الصلاة والصوم ثم لم يؤدّ الفرائض وارتكب المحرمات لم يخرج من الإيمان، غير أنه قد يفقد كمال إيمانه ويعرّضه للخطر. ولا ينبغي أن يفارق ألسنتَنا دعاءُ يوسف عليه السلام: «تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.»[17] ثالثًا: زيادة الإيمان ونقصانه عند أهل السنة 1. الإيمان لا يزيد ولا ينقص من جهة ما يجب الإيمان به؛ فالكلّ مكلَّفٌ بالإيمان بالشيء نفسه. وقد أحسن الإمام أبو حنيفة البيان في ذلك فقال: «الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن زيادته لا تُتصوَّر إلا بنقصان الكفر، ونقصانه لا يُتصوَّر إلا بزيادة الكفر. وأن يكون الشخص الواحد في آنٍ واحد مؤمنًا وكافرًا تصوّرٌ فاسد.»[18] 2. وأما من جهة الكيفية فقد يزيد الإيمان وينقص؛ فإيمان بعضهم قويٌّ كامل وإيمان بعضهم ضعيف. فقد سأل إبراهيم عليه السلام ربَّه أن يريه كيف يحيي الموتى، فلمّا قال له الله: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟» قال: «بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.»[19] وقولُه تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا»[20] وسائرُ الآيات[21] والأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه إنما تدلّ على قوته أو ضعفه كيفًا، لا على زيادته ونقصانه عددًا وحجمًا. رابعًا: الكبيرة الكبيرة ما كان سببًا للفساد وورد فيه نصٌّ بالوعيد. وأكبر الكبائر الشركُ بالله والكفرُ به. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ.»[22] وذكر في حديثٍ آخر سبعًا فقال: «السِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ.»[23] ومن كان في قلبه الإيمان ونطق به لسانُه ثم ارتكب كبيرةً غير الشرك والكفر فهو مؤمنٌ ما لم يستحلّ ما ارتكبه. والله تعالى يغفر له في الآخرة إن شاء، ويعذّبه بقدر ذنبه إن شاء، ثم يُدخله الجنة في النهاية لإيمانه.[24] وقد سُمّي المقتتلون في قوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا»[25] مؤمنين. وكذلك قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا»[26] دليلٌ على ذلك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، ولمّا سأله أبو ذر بيّن أن ذلك ثابتٌ وإن زنى وإن سرق.[27] خامسًا: شروط صحة الإيمان 1. ألّا يكون إيمانه في حال اليأس؛ فالإيمان بعد معاينة العذاب الإلهي عند آخر نفَسٍ غير صحيح.[28] 2. ألّا يكون المؤمن على حالٍ يُعدّ علامةً على الإنكار وتكذيب الدين (كعبادة الأصنام واستحلال الحرام ونحوه). 3. أن تُتلقّى أحكام الإسلام كلها على أنها كلٌّ واحد فلا يتحرّج من العمل بشيءٍ منها. 4. ألّا يكون المؤمن آيسًا من رحمة الله ولا آمنًا من غضبه، بل يكون بين الخوف والرجاء.[29][30]
من قال إنه مسلم وجب أن يُعدّ في هذه الدنيا مؤمنًا وألّا يُقصى من مجتمع المسلمين؛ لأن الناس في الدنيا يُعاملون بالظاهر وبإقرارهم باعتقادهم. وأما تحقّق صدقهم في الباطن فأمرٌ إلى الله في الآخرة. وقد قرّر القرآن هذه الحقيقة بقوله: «وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.»[31] وقال النبي صلى الله عليه وسلم مشيرًا إلى وجوب عدّ من نطق بكلمة التوحيد مسلمًا: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّىٰ يَقُولُوا لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.»[32] ويُفهم من ذلك أن المنافق — وهو من يقول إنه آمن ولم يؤمن بقلبه — يُعامَل في هذه الدنيا معاملة المسلمين، لأننا لا نعلم ما في قلبه من اعتقاد. وخلاصة القول: الإيمان تصديقُ القلب بما يجب الإيمان به، والكفر إنكارُه. ولمّا كنّا لا نحكم على ما في القلوب إلا بالإقرار والظاهر، لزمنا أن نعدّ المُقِرَّ مؤمنًا، ومن أنكر بلسانه وأفعاله كافرًا.
[1] البقرة 2/146؛ الأنعام 6/20. [2] سورة المائدة، الآية 41 [3] سورة المجادلة، الآية 22 [4] الترمذي، القدر 7؛ ابن ماجه، المقدمة 13. [5] سورة النحل، الآية 106. وانظر: ابن سعد، 3/249. [6] البخاري، الإيمان 33؛ الترمذي، جهنم 9؛ ابن ماجه، الزهد 37. [7] سورة البقرة، الآية 8 [8] سورة الأنعام، الآية 59 [9] سورة البقرة، الآية 3 [10] مسلم، الإيمان 1. [11] ابن هشام، 2/5. [12] سورة النساء، الآية 162 [13] سورة البقرة، الآية 177 [14] انظر: البقرة 277؛ يونس 9؛ هود 23؛ العنكبوت 7، 9؛ لقمان 8؛ فاطر 7. [15] سورة طه، الآية 112 [16] سورة الحجرات، الآية 9 [17] سورة يوسف، الآية 101 [18] علي القاري، شرح الفقه الأكبر، ص 79. [19] سورة البقرة، الآية 260 [20] سورة الأنفال، الآية 2 [21] انظر مثلًا: آل عمران، الآية 173؛ الأحزاب، الآية 22؛ الفتح، الآية 4 [22] البخاري، الأدب 6؛ مسلم، الإيمان 38؛ الترمذي، التفسير 5. [23] أحمد بن حنبل، 2/201، 214؛ مسلم، الإيمان 143-146. [24] البخاري، الوصايا 23؛ مسلم، الإيمان 38؛ أبو داود، الوصايا 10. [25] سورة الحجرات، الآية 8 [26] سورة التحريم، الآية 8 [27] البخاري، التوحيد 33، الرقاق 16؛ مسلم، الإيمان 40؛ الترمذي، الإيمان 18. [28] سورة غافر، الآيتان 84 و85 [29] سورة يوسف، الآية 87 [30] سورة الأعراف، الآية 99 [31] سورة النساء، الآية 94 [32] البخاري، الجهاد 102؛ مسلم، الإيمان 8؛ أبو داود، الجهاد 104.
الإسلام في اللغة: «الطاعة والانقياد والالتزام والتسليم لشيءٍ والسلامة». وفي الاصطلاح يُستعمل بمعنى «طاعة الله تعالى، وقبول كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الدين قبولًا قلبيًّا، والعمل بمقتضى ذلك». وقد استُعمل الإيمان والإسلام في القرآن الكريم بمعنًى واحد أحيانًا، وبمعنيين متغايرين أحيانًا أخرى. فإذا استُعملا بمعنًى واحد كان الإسلام هو الاعتقاد بأن أحكام الإسلام من الدين، وقبولَ الإسلام دينًا. والإسلام مفهومٌ واسع جدًّا، ومعناه العام الانقياد. والانقياد ثلاثة أنواع: انقيادٌ بالقلب وهو الاعتقاد الجازم، وانقيادٌ باللسان وهو الإقرار، وانقيادٌ بالجوارح وهو العمل. فانقياد القلب — وهو أحد أنواع الإسلام الثلاثة — يُسمَّى إيمانًا. وقد استُعمل الإيمان والإسلام بمعنًى واحد في قوله تعالى: «إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.»[1] فإذا استُعمل الإيمان والإسلام بمعنًى واحد — أي بمعنى قبول القلب لأحكام دين الإسلام واتخاذِه دينًا — فكلّ مؤمنٍ مسلم، وكلّ مسلمٍ مؤمن. وأما إذا أُخذا مفهومين متغايرين فكلّ مؤمنٍ مسلم، ولكن ليس كلّ مسلمٍ مؤمنًا. لأن الإسلام بهذا المعنى ليس انقياد القلب وتسليمَه، بل انقياد اللسان أو الجوارح والقيامَ بأعمالٍ معيّنة. فالإسلام حينئذٍ أعمّ والإيمان أخصّ. فالمنافق مثلًا يقول بلسانه إنه مسلم ويُظهر أنه يمتثل الأوامر، ولكنه لا يؤمن بقلبه. والمنافق قد يبدو في الدنيا مسلمًا وهو في الحقيقة غير مؤمن. وقد ورد الإيمان والإسلام مفهومين متغايرين في قوله تعالى: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.»[2]
ينقسم الناس من جهة الإيمان والإنكار ثلاثة أقسام: مؤمنٌ وكافرٌ ومنافق. المؤمن هو من آمن من قلبه بوجود الله ووحدانيته، وبأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وبما أخبر به، وقبِل ذلك كله وصدّق به. فإن مات المؤمنون على الإيمان دخلوا الجنة في الآخرة ونالوا فيها نعيمًا كثيرًا. ومن أذنب منهم في الدنيا فالله تعالى إن شاء غفر له ذنبه فأدخله الجنة، وإن شاء عذّبه في النار بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة. ولا يبقى مؤمنٌ في النار خالدًا. الكافر الكفر في عمومه ضدّ الإيمان، والكافر من أنكر الله ورسوله. وبيان ذلك أن الكافر هو من لم يؤمن بأصول دين الإسلام، أو أنكر واحدًا أو أكثر أو جميعَ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله مما هو قطعيٌّ بلغنا بالتواتر (ضروريات الدين). فمن أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو فرضية الصلاة، أو حرمة الخمر، أو لم يقبل وجود الملائكة والجنّ فهو كافر. والكافرون خالدون في النار لا يرون الجنة أبدًا. المشرك: هو من اعتقد أن مع الله آلهةً أخرى. فمن آمن بالله وعبد الأصنام معه، أو قال إن لله زوجةً أو ابنًا أو بنتًا فهو مشرك. وهؤلاء كذلك في عذابٍ أبديّ في النار. المنافق هو من يُظهر الإسلام فيقول إنه آمن بوجود الله ووحدانيته وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله، وهو في الحقيقة غير مؤمن. فباطن المنافقين خلاف ظاهرهم، وقولهم لا يوافق ما في نفوسهم. وقد بيّن الله أنهم في الحقيقة كفار فقال: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.»[3] وأخبر الله في تتمة هذه الآيات أن للمنافقين عذابًا أليمًا. والمنافقون أخطر على مجتمع المسلمين من الكفار؛ لأنهم يُظهرون الإسلام فلا يمكن معرفة حقيقة أمرهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بالوحي من هم المنافقون فلا يُسند إليهم المهامّ المهمة. ولمّا انقطع هذا المصدر (الوحي) بعده صلى الله عليه وسلم صار المنافق يُعامَل في الدنيا معاملة المسلمين، غير أنه في الآخرة في عذابٍ أبديّ. بل هم أشدّ الناس عذابًا كما أخبرت الآية: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا.»[4]
الكفر في اللغة: «الستر». وفي الاصطلاح: تكذيبُ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به عن الله، وإنكارُ واحدٍ أو أكثر من أصول الدين القطعية التي جاء بها (ضروريات الدين). والشرك في اللغة «اتخاذ الشريك»، وفي الاصطلاح: اعتقاد أن لله تعالى في ألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله نظيرًا أو ندًّا أو شريكًا. والمشركون لا ينكرون وجود الله، ولكنهم يثبتون آلهةً معه فيعبدونها، أو يثبتون قوًى وكائناتٍ تُماثل الله في الأسماء والصفات وفي الإرادة والسلطان. والشرك والكفر مفهومان متقاربان، والفرق بينهما أن الكفر أعمّ والشرك أخصّ. فكلُّ شركٍ كفر، وليس كلُّ كفرٍ شركًا. وكلُّ مشركٍ كافر، وليس كلُّ كافرٍ مشركًا. لأن الشرك إنما يقع بجعل شريكٍ لله في ذاته وأسمائه وصفاته؛ وأما الكفر فيقع بقبول جملةٍ من الاعتقادات المعلوم كفرها. ومن هذه الاعتقادات الكفرية اتخاذُ الشريك لله. فاعتقاد وجود إلهين كما في المجوسية شركٌ وكفرٌ معًا؛ في حين أن عدم الإيمان باليوم الآخر كفرٌ وليس شركًا. والشرك بالله أعظم الذنوب. وقد بيّنت الآية أن الله لا يغفر الشرك والكفر، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا.»[5]
من المعتقدات والأقوال والأفعال المؤدية إلى الكفر: 1. القول بأن الله يظلم ويجور. 2. الاستهزاء بذات الله وصفاته وأسمائه وأفعاله وأوامره ونواهيه — ولو مزاحًا — واستعمالُ ألفاظ الاستخفاف بها. 3. الاستخفاف بالملائكة وعيبُهم وسبُّهم. 4. الاستخفاف بالأنبياء وذمُّهم والتهوين من شأنهم والاستهزاء بهم. 5. ردُّ آيات القرآن والأحاديث المتواترة وإنكارُها ولو واحدةً منها. 6. اليأس من رحمة الله والأمنُ من عذابه. 7. الرضا بالكفر. 8. قول: «لو أمر الله بهذا ما فعلتُه!» 9. الاعتقاد بتناسخ الأرواح (انتقال الروح من بدنٍ إلى آخر).
[1] سورة النمل، الآية 81 [2] سورة الحجرات، الآية 14 [3] سورة البقرة، الآية 8 [4] سورة النساء، الآية 145 [5] سورة النساء، الآية 116
التكفير هو الحكم على شخصٍ بالكفر. وقد بيّن علماء العقيدة والكلام المواضعَ التي يخرج بها المرء من دائرة الإيمان. وأما أحكام من حُكم بردّته بعد إيمانه (المرتدّ) فينظّمها علم الفقه. ولذلك وجب أن يكون من يحكم بالتكفير أهلًا لذلك، عالمًا بمسائل علم الكلام على وجه التعمّق، مدركًا لدقائق الفقه وأصوله. وبالنظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يتبيّن أنه كفّر في العهد المكي جماعاتٍ وأشخاصًا بأعيانهم. غير أن وجود المنافقين بين المسلمين في العهد المدني حقيقةٌ معلومة، وقد ذُكر المنافقون في مواضع كثيرة من القرآن مقرونين بالكفار والمشركين وأُخبر أنهم يُعذَّبون عذابهم. ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم بالوحي علمَ اليقين من صدق إيمانُه ومن كان كافرًا يتظاهر بالإيمان، فقد تجنّب تكفير الأفراد والجماعات وسعى في تأليفهم على الإسلام. ولم يرَ من مصلحة الناس أن يُقصي من قال «أنا مسلم» من مجتمع المسلمين ولو كان منافقًا.
أول حركة تكفيرٍ في التاريخ الإسلامي بدأت مع الخوارج. فهذه الطائفة التي ظهرت بعد معركة صفّين بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما كفّرت كلَّ من شارك في تلك المعركة وفي مقدّمتهم عليٌّ ومعاوية. ثم لمّا عدّوا العمل جزءًا من الإيمان كفّروا كلَّ من ارتكب كبيرة، فكانوا أولَ من بذر بذور الفوضى والإرهاب في العالم الإسلامي. وكانت المعتزلة ألينَ من الخوارج قليلًا في مسألة الكبيرة، فزعمت أن مرتكب الكبيرة يخرج من دائرة الإيمان ولا يدخل في الكفر، وأنه في منزلةٍ بين الإيمان والكفر.
وأما علماء الكلام من أهل السنة فقالوا إن مرتكب الكبيرة مؤمنٌ عاصٍ لا كافر، وتحرّجوا في التكفير وتوقّفوا فيه. ومع الزمن أخذ الغلاة والمتعصّبون من كل مذهبٍ يكفّرون سائر الفرق والناس. غير أن علماء أهل السنة — نظرًا إلى وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في التكفير — عدّوا تركَ تكفير أهل القبلة بما يرتكبونه من الذنوب من أصول أهل السنة. وبذلك حرصوا أشدّ الحرص على حفظ وحدة مجتمع المسلمين. كما أكّد فقهاء أهل السنة خطرَ تكفير الناس بغير موجب. وقد شاع بين العلماء قولهم: «إذا كان في المسألة تسعةٌ وتسعون وجهًا للكفر ووجهٌ واحد للإسلام، وجب على المفتي أن يعمل بالوجه الدالّ على الإسلام.»[1] وقد أنصف ابن عابدين — من فقهاء الحنفية في القرن التاسع عشر — وتسامح حين تناول مسألة التكفير في كتبه فقال: «… من عُلم إسلامه فإن أمكن تأويل كلامه أُوِّل ولم يُحكم بكفره.»[2]
الحكم بكفر من عُلم إسلامه — مع ما فيه من عواقب خطِرة على الفرد — يفتح في حياة المجتمع جراحًا لا تندمل، ويُصدّع وحدته ويؤدي إلى تفرّقه. ولذلك قال الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) — وهو من كبار علماء الإسلام والكلام —: «ينبغي الكفّ عن الطعن في المسلمين وتكفير المذاهب ما داموا متمسّكين بكلمة التوحيد صادقين، ولم يقعوا فيما يناقض هذا الأصل، مهما اختلفت الطرق.» والذي حمل العلماء على هذا التحرّج والتوقّف في التكفير أن تحديد الحدّ بين الإيمان والكفر بالغُ الخطورة، وأن الحكم بكفر من عُلم إسلامه يُذهب عصمة ماله ودمه. ثم إن من كُفِّر لا يُردّ عليه السلام ولا يُسلَّم عليه ولا تُؤكل ذبيحته، ولا يُؤذن له بالزواج من مسلمة، ولا يُصلَّى عليه إذا مات، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ويُحكم بخلوده في النار في الآخرة. وتعرّضُ المكفَّر لهذه الأحكام التي تعني إقصاءه من المجتمع يقتضي غاية الحذر في التكفير.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة خطرَ اتهام المؤمن بالكفر وحذّر المسلمين من ذلك، ومنها: «مَنْ صَلَّىٰ صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ.»[3] «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ.»[4] «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَفَّرَ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَإِلَّا كَانَ هُوَ الْكَافِرَ.»[5] ومن أعجب ما وقع في هذا الباب ما جرى لأسامة بن زيد رضي الله عنه، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سريةٍ إلى العدو، فصبّحناهم فهزمناهم. فلحقتُ رجلًا فقال: لا إله إلا الله، فقتلتُه. فوقع في نفسي من ذلك شيء. فلمّا رجعنا ذكرتُه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: — «مَنْ لَكَ بِلَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» فقلت: إنما قالها خوفًا من السلاح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّىٰ تَعْلَمَ أَقَالَهَا صَادِقًا أَمْ خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ؟» فما زال يكرّرها عليّ حتى تمنّيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم (أي أني أسلمتُ بعد هذه الحادثة) فلا أقع فيما وقعتُ فيه.[6]
ومع تحذيرات النبي صلى الله عليه وسلم ووصايا علماء أهل السنة الذين اتّبعوه، فإن بعض الغلاة من المسلمين يكفّرون غيرهم من الناس والجماعات. وأهمّ ما يحمل الناس على التكفير بغير حقّ: الجهلُ والتعصّبُ وضيقُ الصدر والحسدُ وطلبُ المنفعة. ثم غفلةُ من يظنّ أن التكفير سلاحٌ حاضر يُدان به الخصم.
[1] ابن عابدين، مجموعة الرسائل، 1/367. [2] ابن عابدين، المصدر نفسه، 1/342. [3] البخاري، الصلاة 28؛ أبو داود، الجهاد 95. [4] البخاري، الفرائض 29؛ مسلم، الإيمان 27. [5] أبو داود، السنة 15. [6] مسلم، الإيمان 41؛ أبو داود، الجهاد 95؛ ابن ماجه، الفتن 1.
الربوبية (الديزم) ليست دينًا، بل هي مذهبٌ لأناسٍ يرفضون الأديان كلها ويؤمنون بوجود إله. ولمّا كانت الأديان مرفوضةً عندهم فلا موضع في هذا المذهب للأنبياء ولا الكتب المقدسة ولا الحياة بعد الموت — أي الجنة والنار — ولا الملائكة ولا الشيطان. وإنما يؤمنون بإلهٍ وضع الكون وقوانين الطبيعة ثم لم يتدخّل بعد ذلك في الكون ولا في البشر. فالإله عندهم خلق الكون ثم تركه يجري على نظامه كساعةٍ مضبوطة. ولذلك ليس عندهم إيمانٌ بالقضاء والقدر كما في الإسلام. ومصدر هذا الاعتقاد هو الإعجاب بالطبيعة وبتكوين الإنسان مما تدركه الحواسّ مباشرةً، والاعتقادُ المنطقي بأنه لا بدّ لها من خالق. ولمّا لم تكن في هذا المذهب عباداتٌ ولا شعائر، لم يكن بينهم وبين منكري الإله (الملاحدة) فرقٌ في الحياة اليومية. فأصحاب هذا المذهب كفار.
الملاحدة ينكرون وجود الله. وبحسب اعتقادهم المنحرف ليس ثمّة إلهٌ خلق هذا الكون. وهم ينكرون كذلك سائر الحقائق الغيبية كالملائكة والجنة والنار والقدر ويوم الحساب. ولذلك يرفضون الأنبياء والكتب المقدسة. فما لا تراه العين ولا يدركه العقل لا يمكن أن يكون حقيقةً عندهم، فالحقيقة الوحيدة هي المادة. وعلى ذلك فالملاحدة كفارٌ كما يقرّون هم أنفسهم.
أصحاب تعدد الآلهة يؤمنون بآلهةٍ متعددة. ومن أمثلة ذلك عقيدةُ مشركي العرب قبل الإسلام والديانات الأفريقية المحلية. فعندهم آلهةٌ كثيرة تدبّر مجالات الطبيعة المختلفة وتحكم في ميادينَ شتّى: إله الأرض وإله السماء وإله الخصب وإله الحب وإله المطر ونحو ذلك. وليس في تعدد الآلهة كذلك إيمانٌ بدينٍ سماوي ولا نبيٍّ ولا كتابٍ منزَّلٍ من عند الله.
اللاأدريون يقولون إن وجود الإله أو عدمه لا يُعلم بالعقل ولا بالحواسّ. والأديان عندهم ليست من عند الله. ويقولون إنه لا يمكن أصلًا إثبات أن الأديان القائمة اليوم من عند الله، ولا يمكن أن يُعلم أبدًا هل ثمّة إلهٌ خالقٌ أم لا. ولذلك يميّزون أنفسهم عن «الإيمان بالإله» الذي يُثبت وجود الله قطعًا، وعن «الإلحاد» الذي ينفيه قطعًا. غير أنهم لا يفترقون عن الملاحدة في السلوك. ومن ثمّ فاللاأدريون كفارٌ لإنكارهم الإيمان بالله والنبوة والآخرة.
