الإيمان بالملائكة

4 المواضيع

الملائكة مخلوقاتٌ روحانية خلقها الله من نورٍ ولا نراها بأبصارنا. خُلقوا لفعل الخير وعبادة الله وحده، ولا قدرة لهم على فعل الشر؛ لأن الله لم يجعل فيهم ما يدفع إلى الشر كالشهوة والغضب. ولا يأكل الملائكة ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزاوجون ويتناسلون كما نفعل. وليس فيهم ذكورةٌ ولا أنوثة. وهم في السماء والأرض وفي كل ناحية؛ يقدرون على قطع أبعد المسافات في زمنٍ يسير، وعلى التشكّل في أي صورةٍ شاؤوا. وقد أعطاهم الله هذه القوة. ويشتغل الملائكة ليلًا ونهارًا بعبادة الله وذكره وتسبيحه وتقديسه، وذلك بمنزلة الغذاء لهم. ولا يعصون الله أبدًا ولا يخرجون عن أمره قِيدَ ذرّة. فهم معصومون مطيعون.

لمّا كانت الملائكة جواهر لطيفة خُلقت من نورٍ ومخلوقاتٍ روحانية، لم تُرَ بأعين البشر على هويّتها الأصلية وحقيقتها. فقدرتُنا على الإبصار لم تُخلق بحيث ترى الملائكة. غير أن الله تعالى أعطى أنبياءه القدرة على رؤية الملائكة فرأوهم على صورهم الحقيقية. وعدمُ رؤيتنا الملائكةَ على حقيقتها وعدمُ إدراكنا لها بحواسّنا الخمس لا يقتضي دعوى عدم وجودها. فكم في العالم المادي من أشياء لا تدركها حواسّنا! فالأذن لا تسمع الأصوات البالغة في الحدّة ولا البالغة في الغلظ. ولو استطعنا أن نرى بالعين كلَّ موجات الضوء التي تُثبت الأجهزة اليومَ وجودَها — ولا سيّما الأشعة السينية وفوق البنفسجية — لعرفنا الدنيا على غير ما نعرفها اليوم. فنحن لم نُحط بعدُ بحقائق ما يظهر في عالمنا نفسه، فكيف ننكر وجود ما لا يتناهى من الحوادث في العوالم التي لا تتناهى مما خلق الله؟ فعدمُ رؤية الشيء بالعين ليس دليلًا على عدمه. فكم من شيءٍ لا نراه بالعين ونقبل وجوده بعقولنا وبالعلم والتجربة والاختبار! فالملائكة كذلك مما نقبل وجوده وإن لم نره بالعين.

أخبرت بوجود الملائكة الأديانُ السماوية كلها وفي مقدمتها الإسلام، ورآهم الأنبياء على هويّتهم الحقيقية وتلقّوا منهم الوحي. وقد ذكر القرآن وسائر الكتب المقدسة وجودَ الملائكة. وكل ذلك دليلٌ قاطع على وجودهم كرؤية العين. فعدمُ الإيمان بالملائكة الذين اتفقت على وجودهم الأديانُ الحقّة والأنبياءُ جميعًا، وأخبر بوجودهم نبيُّنا صلى الله عليه وسلم والقرآن، بحجة «أني لا أراهم بعيني» جهلٌ عظيم وإنكار. ولا يُتصوَّر ممّن آمن بالله ألّا يؤمن بالملائكة.

للإيمان بالملائكة موضعٌ مهمّ بين أصول الإيمان؛ لأن الملائكة رسلٌ يبلّغون الأنبياءَ ما يتلقّونه من وحي الله. ومن ثمّ فالإيمان بالوحي وبالأنبياء يقتضي أولًا الإيمانَ بوجود الملائكة الذين جاؤوا بالوحي والنبوة. فعدمُ الإيمان بالملائكة يفضي إلى عدم الإيمان بالأنبياء. ولهذا ذُكر الإيمان بالملائكة عقب الإيمان بالله مباشرةً.

الملائكة مخلوقاتٌ نورانية روحانية خُلقت من نور، منزَّهةٌ عن الأكل والشرب والذكورة والأنوثة والنوم والتعب والسآمة والشباب والشيخوخة: «…وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ» (الأنبياء 21/19-20)، «وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ.» (الزخرف 43/19؛ وانظر كذلك: الصافات 37/149؛ النجم 53/27-28).

لا يعصي الملائكةُ الله ولا يخرجون عن أمره ولا يذنبون أبدًا، بل يفعلون ما خُلقوا له. «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.» (النحل 16/50؛ وانظر كذلك: الأنبياء 21/26-28؛ التحريم 66/6).

الملائكة مخلوقاتٌ بالغةُ السرعة شديدةُ القوة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ، إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.» (فاطر 35/1). وقد أُخبر في المصادر الإسلامية أن للملائكة أجنحة، غير أنه لا يمكن القول بشيءٍ في كيفية هذه الأجنحة. وإذا رُوعي أن الملائكة مخلوقاتٌ نورانية، ظهر أنه لا يصحّ وصفُ ذلك وصفًا ماديًّا كأجنحة الطير أو الطائرات. ويمكن أن تُفهم أجنحةُ الملائكة على أنها صورتُهم، وأن كثرتها تدلّ على مراتبهم في القوة والسرعة ومنزلتهم عند الله.

يتشكّل الملائكة بأمر الله وإذنه في صورٍ وهيئاتٍ شتّى. فقد كان جبريل عليه السلام يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة دِحية من الصحابة، وكان يأتيه أحيانًا في صورة رجلٍ لا يعرفه أحد. وظهر جبريل عليه السلام كذلك لمريم في صورة بشر (انظر: مريم 19/16-17). وجاء نفرٌ من الملائكة إبراهيم عليه السلام في صورة رجالٍ يبشّرونه بغلام، فحسبهم ضيوفًا فقدّم لهم طعامًا، فلمّا رآهم لا يأكلون خاف، ثم علم أنهم ملائكة (هود 11/69-70). ويُستفاد من هذه الآية كذلك أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون.

لا تُرى الملائكة بالأبصار. وليس ذلك لعدمهم، بل لأن عين الإنسان لم تُخلق على قدرةٍ وطاقةٍ تراهم بها. وقد رآهم الأنبياء على صورهم الأصلية. فإذا خرجوا عن صورتهم الأصلية إلى صورةٍ ماديةٍ أخرى — كصورة الإنسان — أمكن أن يراهم سائر الناس. وكما جاء في الحديث المعروف بحديث جبريل، فقد رآه الصحابة في صورة رجل (انظر: البخاري «الإيمان» 37؛ مسلم «الإيمان» 1؛ أبو داود «السنة» 15).

لا يعلم الملائكة الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله. فإن أعلمهم الله بشيءٍ من الغيب لم يعلموا إلا ذلك القدر. وقد قالت الملائكة: «سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.» «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ؟» (البقرة 2/31-33).

المصدر: رئاسة الشؤون الدينية، «الإسلام: علم الحال»، المجلد الأول، العقيدة، أصول الإيمان، الإيمان بالملائكة.

يمكن جمع الملائكة في ثلاثة أقسام رئيسة: 1. الملائكة العلّيّون والمقرَّبون، 2. الملائكة المدبِّرات، 3. الملائكة الموكَّلون بالإنسان…

هؤلاء مشتغلون في كل آنٍ بذكر الله تعالى وتنزيهه عن صفات النقص وتقديسه بصفات الكمال كلها، وهم في معرفة الله ومحبته في حالٍ من الاستغراق.

هؤلاء ملائكةٌ موكَّلون بتنفيذ القوانين الإلهية التي يُدبَّر بها الكون ويُحفظ بها نظامُه وانتظامه. وهم في العالم بمنزلة النُّظّار والشهود على تجلّيات إرادة الله وقدرته.

على رأس هؤلاء الملائكة جبريل عليه السلام، ووظيفتُه تبليغُ الوحي الإلهي إلى الأنبياء. ولذلك يُسمَّى كذلك ملَك الوحي. ومن وظائف الملائكة الموكَّلين بالإنسان كذلك تقويةُ أنبياء الله وعباده الصالحين، وتسليتُهم في أوقات الشدة والحزن، ورفعُ معنوياتهم، ومعونتُهم بالفعل عند الحاجة. وقد أخبرنا القرآن أن الملائكة أعانوا المؤمنين بالفعل في غزوات بدر وأحد وحنين في عصر السعادة. ومن وظائفهم كذلك إلهامُ الناس الخيرَ والصلاح، فيهتدون بذلك إلى الطريق القويم ويرتقون روحيًّا.

الملائكة الكبار أربعة: * جبريل عليه السلام: ملَك الوحي، يبلّغ الأنبياءَ ما يتلقّاه من الله من الرسالات. * ميكائيل عليه السلام: موكَّلٌ بإيصال الأرزاق إلى أصحابها وتدبير ظواهر الطبيعة (المطر والريح ونحوهما). * إسرافيل عليه السلام: موكَّلٌ بالنفخ في البوق المسمّى «الصور» إيذانًا بقيام الساعة والبعث. * عزرائيل عليه السلام: موكَّلٌ بقبض أرواح الناس، ويُسمَّى كذلك ملَك الموت.

* ملائكة الحفظة (الكرام الكاتبون): مع كل إنسانٍ اثنان منهم، يكتبان كلَّ ما يصدر عن الناس من خيرٍ وشرٍّ وقولٍ وفعل. * ملَكا منكر ونكير: هما اللذان يسألان الإنسان في قبره بعد موته فيقولان: «من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟»

الجنّ كالإنس في التكليف بعبادة الله. غير أن زمانهم ومكانهم غيرُ زماننا ومكاننا. فالجنّيّ ابنُ عشرين سنة بحساب سنيهم قد يكون موجودًا منذ ألف سنةٍ بل ألفٍ وخمسمائة بحساب زماننا. ويُقال إن الجنّيّ الذي التقى النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يزال حيًّا. وكذلك مكاننا — أي مادّتنا — بمنزلة الفراغ بالنسبة إليهم. ولذلك أُخبر أنهم خُلقوا من نارٍ نافذةٍ تتخلّل الأشياء (انظر: الرحمن 55/15). والجنّ كذلك يتزاوجون ويتناسلون ويكثرون.

صحيحٌ أن بعض ذوي النفوس الخبيثة يستعينون بالجنّ في السحر. غير أن ذلك ليس على القدر الذي يُظنّ ويُخاف منه. ومن الحقّ أن الجنّ لا يستطيعون إيذاء أقوياء الإيمان. وقد قال الله في القرآن الكريم عن أهل السحر: «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» (البقرة 2/102). ونعلم من القرآن كذلك أنهم يكذبون في الغالب. ولذلك فإن أكثر من يزعمون في الأسواق أنهم يسحرون بالجنّ لا صلة لهم بشيءٍ من ذلك في الحقيقة. وتصديقُ أمثال هؤلاء وظنُّ أنهم يعلمون الغيب من كبائر الذنوب.

والشيطان كذلك روحٌ خبيث يدعو الناس دائمًا إلى معصية الله. وأبرز ما يميّزه أنه لا يفعل ما أمر الله به عنادًا. وليس الشيطان قوةً تنازع الله، بل هو مخلوقٌ خلقه الله وأذن له في أفعاله ليتبيّن من يختار الخير من الناس ومن يختار الشر.

وقد أخبر القرآن الكريم بوجود الجنّ والشياطين، ولذلك كان عدم الإيمان بهم موجبًا للكفر؛ إذ إن في القرآن سورةً مستقلة تتحدث عن الجنّ خاصةً هي سورة الجنّ. فتفسيرُ وجودهم بأشياء كالجراثيم منهجٌ خاطئ.

لو شاء الله ما خلقه. غير أنه لو لم يخلقه لم يبقَ لاجتناب الشرور والابتلاء والارتقاء الروحي معنًى. فوجود الشيطان سببٌ من أسباب الابتلاء ليوجّه الإنسان إرادته إلى الخير.