الإيمان بالرسل
4 المواضيع
النبيّ هو من اصطفاه الله تعالى من عظماء البشر رسولًا يبلّغ عباده أوامره ونواهيه. والإيمان بالرسل هو الإيمان بأن الله أرسل رسلًا يُسمَّون الأنبياء ليهدي بهم الناس ويبلّغهم أوامره ونواهيه، وقبولُ وجود مؤسسة النبوة، والتصديقُ بنبوة من ذُكر في القرآن أنه نبيّ. والأنبياء بشرٌ مثلنا، غير أنهم عباد الله المصطفَون. ولا يبلغ الإنسان النبوة بالسعي والاجتهاد ولا بالطلب؛ فالنبوة عطاءٌ من الله.
إنما اصطفى الله رسله الذين أرسلهم إلى الناس من بين الناس أنفسهم ليكونوا لهم قدوةً وأسوةً ومرشدين في كل أمر. ولو أُرسل الأنبياء من الملائكة لَما تحقّق هذا المقصود قطعًا. ومن الظاهر أن خير من يهدي الإنسانَ إنسانٌ مثلُه.
يُسمَّى «رسولًا» من أُوتي دينًا وكتابًا مستقلًّا، ويُسمَّى «نبيًّا» من لم يكن صاحبَ دينٍ وكتابٍ مستقلّ، بل كُلِّف بالعمل بموجب كتاب نبيٍّ قبله.
لو أدرك الناس بعقولهم وجودَ الله ووحدانيته، لما أدركوا صفاته الخاصة به إدراكًا تامًّا، ولا علموا كيف يُعبد، ولا أدركوا أمور الآخرة وما فيها من مسؤولية. فهم محتاجون إلى أن يعلّمهم الله ذلك كله ويبيّنه لهم. ولذلك أرسل الله إلى الناس الرسلَ استجابةً لهذه الحاجة. ولو لم يأتِ الأنبياء لما كُلِّف الناس بحكمٍ من أحكام الدين سوى معرفة وجود الله ووحدانيته. وقد قال الله تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا» (الإسراء 15). وقد كانت البشرية لا تعلم شيئًا، فتعلّمت من الأنبياء كلَّ شيءٍ وكلَّ صنعةٍ وكلَّ فنّ.
وظائف الأنبياء: - تعريف الناس بالله، - تعليم الناس ما تلقّوه من الله من أحكام الإيمان وصور العبادة، - غرس الفضائل الخُلقية ومكارم الأخلاق في الناس، - تنظيم العلاقات بين الفرد والأفراد، وبين الفرد والمجتمع، على أرقى الموازين وأعدلها، وتقويةُ الروابط الاجتماعية بينهم. وبالجملة: أن يكونوا للناس قدوةً تامة في كل ميدانٍ ماديٍّ ومعنوي.
الأنبياء جميعًا صادقون في كل ما يخبرون به مما تلقّوه من الله. ولا يجوز في حقهم الكذب.
الأنبياء أمناء موثوقون في أداء ما كلّفهم الله به. ولا تقع منهم خيانةٌ أبدًا.
يبلّغ الأنبياء أممَهم ما أُوحي إليهم من الله كما هو، من غير نقصانٍ ولا زيادة. ولا يقع منهم كتمانُ ما أُخبروا به ولا تحريفُه وتبديله. فليس في الأنبياء صفةُ الكتمان، أي إخفاء الحقيقة.
الأنبياء ذوو عقلٍ وذكاءٍ فائق وحافظةٍ قوية وقدرةٍ عالية على المنطق والإقناع. ولا صلة للأنبياء من قريبٍ ولا بعيدٍ بصفاتٍ كالجنون والغفلة والجهل.
الأنبياء منزَّهون عن جميع الذنوب سرّها وعلانيتها، وعن العيوب والأحوال القبيحة وما لا يليق بشرف النبوة. فالمعصية أي ارتكاب الذنب محالٌ في حق الأنبياء.
الأنبياء جميعًا في العقيدة الإسلامية سواءٌ من جهة كونهم أنبياء. وقد فرض الله على كل مسلمٍ الإيمانَ بجميع الأنبياء من غير تفريقٍ بينهم. ومع ذلك فمن المسلَّم أنه بعد التصديق بنبوّتهم قد يكون بينهم تفاوتٌ في الدرجات. وقد قال الله في ذلك: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ…» (البقرة 2/253).
والمراد بـ«من رفعه الله درجات» في الآية نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم. فله بين الأنبياء منزلةٌ عليّة لا نظير لها؛ لأن: * النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وخيرهم وأحبَّ عباد الله إليه. * نبوّته تشمل البشرية جمعاء، في حين أُرسل سائر الأنبياء إلى أقوامٍ بأعيانهم (انظر: سبأ 34/28). * نبوّةُ الأنبياء السابقين شملت حِقبةً معينة من الزمن، وأما نبوّته فتمتدّ إلى قيام الساعة. * الدينُ الذي جاء به آخرُ الأديان وأكملها. وقد نسخ الإسلامُ أحكامَ الأديان السابقة.
ويلي النبي صلى الله عليه وسلم في الدرجة أولو العزم من الرسل، ومنهم نوحٌ وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. وأولو العزم هم الأنبياء الذين أدّوا واجب تبليغ الدين من غير أن يفتُروا أمام ما حُمِّلوه من جسيم المهامّ والمسؤوليات، وصبروا وثبتوا على تحمّل الشدائد كلها (انظر: الشورى 42/13؛ الأحزاب 33/7).
من أول الأنبياء آدم عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم أنبياءُ كثيرون. وعلى روايةٍ قوية عددهم مائةٌ وأربعةٌ وعشرون ألفًا، وعلى روايةٍ أخرى مائتان وأربعةٌ وعشرون ألفًا. ولم يُذكر منهم في القرآن إلا خمسةٌ وعشرون.
آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وشعيب، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وأيوب، وذو الكفل، ويونس، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، ومحمد عليهم السلام…
اختُلف في نبوّة عزير ولقمان وذي القرنين عليهم السلام مع ذكر أسمائهم في القرآن. ومن اشتُهر بالنبوة ولم يُذكر في القرآن: شيث، ويوشع، وجرجيس، ودانيال عليهم السلام.
بلّغ الأنبياء جميعًا أصولَ الإيمان والعبادة نفسها. وإنما جاء اختلاف الشرائع من اختلاف حاجات العصور والمجتمعات ومستوياتِ الإدراك فيها. فقد خاطب الأنبياء الناسَ على قدر عقولهم. وكان النبي اللاحق يمضي بدعوة النبي السابق من حيث انتهى، ويصحّح ما في الناس من الاعتقادات الفاسدة. فلمّا جاء الإسلام بلغ تكاملُ الأديان — بموازاة تكامل البشر — منتهاه.
