73

الأول

"الذي ليس قبله شيء، الأول بلا بداية."

المعنى

الأول: الأول قبل كل شيء. قال الله تعالى: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ..." (الحديد، 3) فالله تعالى هو الذي بدأ الخلق وأدامه، الذي أوجد الأكوان كلها، وأبدع جميع الأشياء والحوادث وأبرزها. وهو قبل كل شيء، ليس قبله شيءٌ ولا سابق. لا بداية له وهو أول كل شيء؛ لأنه مبدأ الموجودات كلها ومُبرزها. وهو آخرًا الباقي بعد فنائها جميعًا. "...كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ..." (القصص، 88) "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (الرحمن، 26-27) وبمقتضى ما تدلّ عليه هاتان الآيتان، فإنّ الموجودات كلها تذهب إلى الهلاك والفناء ويمكن أن تذهب، وهو وحده الباقي. فجميع المخلوقات إذا زالت أسباب وجودها هلكت وفنيت أصلًا، ثم تُردّ الأمور كلها إليه. فكما أنه قبلها جميعًا، فهو غايتها ونهاية الوجود. فلا ينبغي أن يُحكم له بأنه الأول وحده ولا بأنه الآخر وحده، بل يُقال: "الأول والآخر". والله تعالى هو الأول الذي لا بداية له، والآخر الذي لا نهاية له. هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء. هو الأول في الإيجاد والخلق، والآخر في الهداية والتوفيق. هو الأول العالم بما في القلوب، والآخر الساتر للعيوب والنقائص. فالبدء كان بالله أولًا، والرجوع إليه آخرًا. فائدة معرفة هذا الاسم: إنّ معرفة أنّ الله هو الأول تخلّصنا من الاقتصار على النظر في الأسباب والوقوف عندها والتفكير فيها، وتجعلنا نفكّر تفكيرًا أوسع، وتعيننا على النظر إلى محض فضله وإحسانه ورحمته، وتحملنا على التفكّر في أنه آتانا نعمًا لا تُحصى من غير أن يكون لموجودٍ فيها إسهام. فقد خلق الوجود كله في حالٍ كان فيها العدم المطلق. وحين لم تكن الموجودات ولم يكن لها اسمٌ يُذكر، هيّأ هو كل شيءٍ لأجلنا، وآتانا القوة والقدرة، ووضع للموجودات قانون السبب والنتيجة. ووجوده غير متعلّقٍ بوسيلةٍ ما. ومن فهم اسم الله الأول على هذا الوجه علم أنه محتاجٌ إليه حاجةً مطلقة، وأدرك على وجهٍ أحسن أنّ عليه أن يعبده بكل صدق. ولمخلوقات "الأول" و"الآخر" بدايةٌ ونهاية. فنحن نعيش بمقدار أعمارنا، والذي أتى بنا أول مرةٍ يذهب بنا آخر مرة؛ أي أنّا منه جئنا وإليه نعود. فلنعمل إذن أعمالًا تليق به، ولنكن السبّاقين إلى الخدمات الخيّرة.